محمد عبد الله دراز

291

دستور الأخلاق في القرآن

التّفسير الأفضل الّذي تمسك به دائما هو الّذي يحدد هذا النّوع من الأيمان على أنّه : ( حلف الإنسان على الشّيء يستيقن أنّه كذلك ، ثمّ يوجد على غير ذلك ، فهو اللغو ) « 1 » . ولسنا نريد أن نختار أحد هذين التّعريفين ، فنحن نعتبرهما كليهما - حالتين خاصتين ، في نطاق القانون العام لعدم المسؤولية ، ولو أننا قابلناهما بالنصّ لوجدنا أنّ التّعريف الأوّل يتفق بصورة أفضل مع آية سورة المائدة ، حيث توضع الأيمان الحقيقة في مقابل الأيمان المؤكدة : لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ « 2 » ، على حين أنّها في سورة البقرة تقابل الأيمان الّتي ينشئ الحنث فيها ضررا متعمدا : وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ « 3 » . وهكذا ينتج من مجموع النّصين أنّ العمل « الإرادي » ، الّذي « انعقدت عليه النّيّة » وحده هو الّذي يستتبع مسؤوليتنا . بيد أنّ هذه الصّفة الثّانية تستحق أن نركز عليها ، ونحددها أكثر . ذلك أنّ هناك ضربا من الخطأ ، لا ينصب على موضوع نشاطنا ، بل على قيمته ، ومغزاه الأخلاقي ، فقد يخطئ المرء ، لا في العمل الّذي يؤديه ، بل في نظامه ، أعني في علاقته بالقانون ، فخطئي ليس ناشئا عن الجهل ، لأنّي مدرك لموقفي مدرك في الوقت نفسه للمبدإ الّذي كان من الواجب أن يخضع له هذا الموقف ، وكلّ ما في

--> ( 1 ) انظر الموطأ للإمام مالك : 2 / 477 ح 9 ، وقد أثبت آراء أخرى لكلّ من ابن عباس ، ومالك . ( المعرب ) . تفسير القرطبي : 3 / 100 ، وانظر ، في المشكلة كلّها تفسير البحر المحيط : 2 / 179 . ( 2 ) المائدة : 89 . ( 3 ) البقرة : 225 .